عادت وفود التفاوض الإسرائيلية والفلسطينية من القاهرة لدراسة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار وإتمام صفقة تبادل للأسرى.

المقترح الأمريكي جاء به رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية ويليام بيرنز إلى القاهرة قبل أسبوع، وينص على إطلاق سراح 900 فلسطيني معتقل في السجون الإسرائيلية، منهم 100 محكوم عليهم بالسجن مدى الحياة، مقابل 40 رهينة إسرائيلية محتجزين في قطاع غزة.

كما ينص العرض على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من محور "صلاح الدين" الذي يفصل شمال غزة عن جنوبها، ويمنع فلسطيني الشمال من العودة لمنازلهم، ووقف "مؤقت لإطلاق النار" لستة أسابيع.

مثلت كلمة "مؤقت" نقطة الخلاف الأولى، فحركة حماس تريد وقفا مستداما للحرب.

لكن إسرائيل ترفض وقف عمليات القتال في غزة حتى "تحقيق النصر الكامل"، وهو ما "لن يتحقق سوى بدخول مدينة "رفح" الجنوبية، التي تؤوي نحو 1.5 مليون نازح فلسطيني ، والتي تعدها إسرائيل آخر معاقل حماس.

"العصا في دولاب الاتفاق"

صفقة تبادل الرهائن بين إسرائيل وحماس في نوفمبر تشرين الثاني 2023
Getty Images
صفقة تبادل الرهائن بين إسرائيل وحماس في نوفمبر تشرين الثاني 2023

نقطة الخلاف الكبرى بين إسرائيل وحماس في الاتفاق الحالي هي الرهائن، وبالتحديد من سيكون ضمن ال 40 رهينة الذين ستفرج عنهم حماس.

ينص المقترح الأمريكي على أن يكون الرهائن جميعا من "الأحياء"، وليس "الأحياء والأموات" كما نصت المقترحات السابقة.

تقول مصادر من حماس لبي بي سي إن "العصا الرئيسية في دولاب الاتفاق هي كلمة (من الأحياء)، إذ لم تتضمن الورقة السابقة التي تم التفاوض عليها بعد باريس في الدوحة كلمة الأحياء وإنما فئة كبار السن والمدنيين (أحياء أو أموات) وما تبقى من الفئة السابقة (نساء وأطفال) وخمسة مجندات".

تقول مصادر عدة إن حماس ربما لا تمتلك 40 رهينة على قيد الحياة، ممن تنطبق عليهم الشروط الأصلية لإطلاق السراح بناء على ظروف إنسانية، وهم النساء والمجندات والرجال فوق 50 عاما والرجال تحت 50 ممن يعانون من مشكلات صحية.

يقول المتحدث باسم حماس قاسم نعيم إن الهدف من إقرار وقف إطلاق النار هو "إعطاؤنا مزيدا من الوقت لجمع معلومات عن الرهائن، فهم في مناطق متفرقة، وبعضهم تحت الركام وإخراجهم يتطلب وقتا ومعدات ثقيلة".

لذا يرى غيرشوم باسكين، العضو السابق في فريق التفاوض مع حماس في صفقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 2011، إن إخراج الأحياء هو الأمر الملح حاليا.

"لابد أن تتفاوض إسرائيل في المرحلة الأولى على الأحياء، أما الأموات فيمكن التفاوض عليهم في المرحلتين الثانية والثالثة التاليتين".

خاض الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي جولة من المفاوضات بين العاصمة الفرنسية باريس والقطرية الدوحة نهاية فبراير شباط الماضي دون الوصول لنتائج ملموسة.

سعر "غال" للعسكريين

صور الرهائن الإسرائيلين المحتجزين في غزة
Getty Images
صور الرهائن الإسرائيلين المحتجزين في غزة

النقطة الثالثة التي تعرقل الاتفاق وما تزال تمثل فجوة كبيرة، هي الاقتراح بأن يكون "العسكريون من الرجال" ضمن هذه الدفعة من المفرج عنهم، وهو ما ترفضه حماس بشكل قاطع.

يقول باسكين إن للرهائن العسكريين "سعر أغلى من المدنيين"، لذا ترغب حماس في التفاوض عليهم بشكل منفصل.

فحماس تحتاج للرهائن من العسكريين للتفاوض على خروج كل السجناء الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، كما يرى إبراهيم الدراوي الصحفي المتخصص في الشأن الفلسطيني.

"إذا فشلت حماس في إخراج الكل مقابل العسكريين، فما كانت الجدوى إذا من القيام بهجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول؟" كما يقول الدراوي.

تقدر السلطات الإسرائيلية عدد الرهائن في قطاع غزة ب 133 رهينة، بينهم 30 رهينة تأكدت وفاتهم خلال الستة أشهر الماضية من الحرب.

الخلاف الرابع: السجناء الفلسطينيون

تظاهرات للإفراج عن القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي
Getty Images
تظاهرات للإفراج عن القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي

"لا يمكن أن تسمح إسرائيل لحماس بتحديد أسماء السجناء الفلسطينيين في صفقة التبادل" هكذا بدأ إيلي نيسان المحلل السياسي الإسرائيلي حديثه عن مطالب حماس.

نقطة خلاف أخرى بين حماس وإسرائيل في الاتفاق الحالي هي من سيحدد أسماء السجناء الفلسطينيين المفرج عنهم.

يقول نيسان "إذا تُركت الحرية لحماس وسمحت إسرائيل بالإفراج عن بعض أصحاب المؤبدات كمروان البرغوثي وأحمد سعادات مثلا، فإن الرأي العام الداخلي في إسرائيل سيغضب كثيرا وهو آخر ما يريده نتنياهو حاليا".

أما بالنسبة لباسكين، تكمن الأزمة في الإفراج عن "البرغوثي وسعادات" في كونهم رموزا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعودتهم للحياة العامة في فلسطين سيعطي دفعة "لمقاومة" الوجود الإسرائيلي وزيادة في الهجمات.

يقضي "مروان البرغوثي" القيادي بحركة فتح الفلسطينية حكما بالسجن مدى الحياة و40 عاما منذ 2004 بتهمة تأسيس كتائب شهداء الأقصى العسكرية التي نفذت عمليات مختلفة ضد جنود ومستوطنين إسرائيليين.

بينما قضت محكمة إسرائيلية على أحمد سعادات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالسجن ثلاثين عاما عام 2008 بتهمة اغتيال الوزير الإسرائيلي رحعباب زئيفي.

العودة للشمال

عودة الأسر الفلسطينية للشمال هي إحدى أهم نقاط الخلاف
Getty Images
عودة الأسر الفلسطينية للشمال هي إحدى أهم نقاط الخلاف

يعتبر كذلك السماح لفلسطيني الشمال بالعودة لمنازلهم نقطة خلاف جوهرية أخرى في أحدث المقترحات على الطاولة، فبينما تصر حماس على عودة كاملة "غير مشروطة" للأسر الفلسطينية للشمال"، تضع إسرائيل العديد من الشروط.

"لابد أن يخضع كل فلسطيني عائد إلى الشمال لفحص دقيق من قبل السلطات الإسرائيلية للتأكد من عدم انتمائه لقوات حماس، ولضمان عدم عودة مقاتلي حماس لقواعدهم العسكرية في الشمال ومنها يجدون طريقا لمهاجمة إسرائيل"، كما يقول باسكين.

هذا "الفحص" كما تصفه الإسرائيلي، تعتبره حماس طريقا جديدا لإلقاء القبض على آلاف الفلسطينيين "دون وجه حق".

يقول الدرواي إن "إسرائيل تضع الكمائن على طول طرق العودة للشمال وتعتقل كل من تشك أنه على علاقة بمقاتلي حماس من نساء وأطفال وشيوخ وهو ما يعني تصفية للمقاومة."

وأقامت القوات الإسرائيلية طريقا يفصل بين شمال قطاع غزة وجنوبها، تمركزت على طوله قواتها.

وقال باسم نعيم عضو المكتب السياسي لحركة حماس في بيان "إننا لن نقبل استمرار التواجد الإسرائيلي في القطاع ما يسمح لها بشن هجوم جديد على أهالينا".

"الضغط"

تشهد إسرائيل تظاهرات حاشدة تطالب بعودة الرهائن
Getty Images
تشهد إسرائيل تظاهرات حاشدة تطالب بعودة الرهائن

برغم تعدد نقاط الخلاف بين إسرائيل وحماس في المقترح الأخير، إلا أن الضغوط التي يتعرض لها كل من الجانبين ربما تساعد في محاولة الوصول لاتفاق.

الولايات المتحدة تضغط "بشكل غير مسبوق"، كما نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين، للقبول بالعرض الحالي.

فقد دعا وزير الخارجية أنتوني بلينكن حماس بالموافقة على العرض "الجاد"، كما دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كذلك بالقبول.

"الضغط الأمريكي بالإضافة للضغط الداخلي من عائلات الرهائن الإسرائيليين ربما يدفع نتنياهو للقبول بالصفقة الحالية حتى وإن كان لا يفضلها"، كما يقول باسكين.