: آخر تحديث

لوحات الفكيكي... وميثولوجية وادي الرافدين

 

 
بقلم - إيمان البستاني
 
(المفعمة بالحيوية والسحر والرغبة
حلوة الشفتين وفي فمها يكمن سر الحياة
يا من بظهورها يكتمل السرور
قوامها جميل وعيناها مشرقتان
ومن نظراتها تنبعث الفرحة والعظمة والطمأنينة
عسى أن تمنحك انانا زوجة دافئة الأطراف تضطجع لك
وعسى أن تمنحك أولاد أقوياء)...... اسطورة عشتار
 
المتتبع لمسيرة الفنانة التشكيلية العراقية بتول الفكيكي يقف عند حقيقة  مضيئة وهي ان الفكيكي اتخذت لنفسها مسار ا فنيا متفردا يتمثل في تجسيد  شخوصها بملامح ميثولوجية من وادي الرافدين تبث من خلاله رسائلها في شجب واقع  الشر او لرواية حكاية ذات معاني إنسانية  أو دروس مستنبطة من الثنائية الازلية بين الرجل والمرأة أو  تتخذ منه احيانا صرخة احتجاج على ظلم واقع.... لوحاتها مسرح حياة لا حاجة لها إلى إطار يحد منها..... المتلقي يجد نفسه داخل لوحاتها  بلا حواجز تبعده عن اجواء شخوصها.... الجسد  جعلت منه الفكيكي ثيمة للوحاتها، وهو  ملتقى الفرح والحزن، القوة والضعف، الرغبة والزهد، العنفوان واليأس..... الجسد انعكاس لاسطورة الالهة عشتار وتموز، دالة رمزية عن أصل الحياة  وسرمديتها، استخدمته الفكيكي باحساسها المفرط،   وكأنه هو مركز ثقل الكون في الحد الفاصل بين جدلية الحياة والموت وما بينهما ..... المرأة والرجل هذان الجسدان اساس البشرية ،  تراهم احيانا ملتحمان بشبق  واحيانا رغم التصاقهما يكمن الجفاء، دائما تتوسد الانثى صدر الحكاية ويتراجع الرجل خطوة .... احيانا يظهران جسدان مغطيان بالوشم او التعاويذ، احدى تقنيات الفكيكي التي تتقنها كدالة رمزية  عالية و حسية لا تخطيء،  تقود المتلقي لمزاج اللوحة ولفك رموز سحرها وطلاسمها....  أكثر الاحيان تجد اجساد  شخوصها تضيء عتمة المكان  او تجدهم بحالة وجد وهيام اما  عناق وسط درج زقورة او في خلوة في ركن الدار  او  قرب سكون لجرف نهر..... يصدف احيانا ان تكون اللوحة لانثى فقط تختزل كل الحكاية.... مشاعر انثوية تعج  بدفق عاطفي.... تلف نفسها بذراعيها دليل غياب الآخر..... او رابضة مثل لبوة.... او حزينة اكثر من خفاش بالرغم من الجو الكرنفالي الالوان..... او تجدها عارية لها  اقدام  كأنها جذور شجرة... او متكورة على نفسها يهزها النحيب... الرمزية عندها  تتمركز في ترويض الاسطورة لتوافق الحاضر.... والانطباعية عندها بساتين ونخيل.... بيئة الريف العراقي النقي الذي شكل في ذاكرة الفكيكي  وقفات استذكار  لحياتها العائلية التي عاشتها بشكل جيد... او مشهد لبيوت متلاصقة بابواب خشبية موصدة كأن زمن اللوحة كان وقت غروب، وشبابيك نصف مضائة تحكي  ميلودرامية العيش خلف تلك الجدران... الفكيكي سليلة عائلة عراقية مثقفة.... والدها المحامي المرحوم  توفيق الفكيكي والتي فتحت عينيها منذ الطفولة على جلسات الادب التي تعقد في الدار ويؤمها مثقفو البلد، خطفها حب الرسم واتخذته  عشقا و دربا  ومسيرة حياة.... هي من وقفت أمام الاسطورة ( جواد سليم ) ليرسمها.....  عاصرت كل الرموز الفنية العراقية التي أسست الفن التشكيلي العراقي  وارتوت منهم جميعا ولكنها في لحظة تحقيق الحلم اتخذت لنفسها اسلوبها الخاص القريب لروحها الشفافة المحبة للحياة والتي تمجد معاني  الحب أولا وأخيرا  حيث لا تصغي الا لطبل القلب...... الفكيكي تدلق كل مكنوناتها الإنسانية في لوحاتاتها التي وظفتها في البعض منها  عن معايشات وطن مذبوح قبل شعبه..... تأخذك لوحاتها إلى نساء حزينات ارامل  واطفال هلعين من روع الحروب........ قباب ونخيل احمر  لوطن  مفجوع بكوارث الساسة.. النازحون والمهجرون والمهاجرون وصفتهم الفكيكي بكتلة بشرية متلاصقة من الخوف  يلفها الم مازوخي من وداع الاحبة وتحمل بقايا متاع عيشة زائلة، عيونهم ترصد قتامة الطريق.... وجوه شخوصها احيانا تعطيهم ملامح  لقى حفريات النمرود ، كم مرة يخرج عليك من لوحاتها  رجل له راس كلكامش بلحيته المجدولة ضفائر ، وموناليزا النمرود زوجته تقف امامه  وتحدق بك بلا عيون بابتسامتها المعهودة، او ان تعطيهم دور ايروتيكي كأنه مشهد من احدى الملاحم  الاسطورية التي تمجد الخصوبة، واحيانا  ترسم لهم اطراف كأنها اغصان شجر..... يقين راسخ  تبثها  لوحاتها على انها رسالة حياة و بان انسان هذه الارض ماهو الا حفيد تلك السلالات التي كونت التاريخ وحاربت من اجل بقائها وجذورها مغروسة تابى الرحيل... النسوة عندها احيانا جسد بلون اخضر وحمامة بيضاء ، عشها في الكف او وردة بيضاء ناصعة هدية قلب عاشق  و كأن المشهد  مقتطع من حلم ....... او رأس امرأة يتكئ على كتف رجل وفي الأسفل باب خشبي موصد  والغواية قريبة جدا .. او مخدع زوجية حيث اضاعت المراة نصف حياتها في قميص نومها....... مئات من الحالات الإنسانية رسمتها الفكيكي وكأنها كانت تغوص في التجربة معهم لتخرج عند اكتمال اللوحة وتبيح  لك الدخول بعدها  مجانا...... اكثر شخوصها بلا ملامح... وان كانوا بلا عيون وكانهم ينظرون اليك او  يديرون رؤوسهم مثل غصن دوار الشمس....... تطيل النظر الى لوحاتها  عندما تجد الشخوص قد زاد عددها عن الاثنين.... لان الشخص الثالث او الرابع هو من سيروي لك الحكاية...... احيانا يكون الحاضر كشاهد على واقعة او ان يكون هو المذنب فيها..... وقد يتخذ دور الحكم احيانا.... كل هذه الادوار تسعى الفكيكي لتوزيعها باجادة تامة بملامح سردية وتاثيث لوني موفق........ اللون عند الفكيكي استخدام مفرط في الاحساس والتوظيف لصناعة  المشهد البصري.... الالوان احساس ليس هوية صارمة لهوية اللون ذاته....   فالأبيض ليس  دائما أ بيض بمدلولاته.... قد توظفه لغاية مختلفة فتجد نفسك تنساق إلى عوالم اللوحة باحساسك الشعوري قبل البصري...... أكثر أجساد لوحاتها بلون التراب هوية رمزية لانسانية الإنسان من جهة و انتمائه الرافديني من جهة أخرى،  تكحل اللوحة باضافات لونية من لون النخيل البني وسعفها الاخضر وتمرها الاصفر  او تغرقها بزرقة سماوية  كثيفة لا يفك طلسمها الا بتول الفكيكي نفسها. 
كما ان الفكيكي تعكف على تاثيث لوحاتها  بمهارة زخرفية عالية مستمدة من خزين  ميثلوجي  سومري جنوبي واشوري شمالي، الاجساد ملفوفة بقماش شفاف  ينسدل ليغطي كتف ويترك الاخر عاريا، هيئة سومرية لا تخطئها العين، ولون عاجي يعكس  استحضار  الماضي، او تزخرف الفكيكي الرداء الشفاف عادة و كأنه دانتيلا  تشبه الثلج او تملئه بالزهور دليل ايام صبا و شباب ربيعي متفتح ، او تزينه بنقوش دليل حالة زوجية  مغلقة عن التفاصيل...... والاكسسوارات باشكال سومرية مع تنفيذ يميل الى فن المنمات المميز بصبر تنفيذه،  وألالوان الفيروزية المجدولة بتناغم حميمي مع الاحمر النبيذي، حلى لها هوية مقتنيات ملكة سومرية. 
الفكيكي الغزيرة الانتاج ارفدت الفن التشكيلي العراقي بالكثير من اللوحات ومن خلال مشاركاتها الفعالة في المعارض الفنية التي تقام سنويا في الوطن العربي والعالم، لها حضور انيق محاط بسيل  لا ينفذ من الاصدقاء، كما  ان جدارياتها العديدة قد زينت العديد من المواقع واحتضنتها عواصم منها بغداد في مطارها الدولي و دور الا زياء العراقية وعمان و تونس وبيروت وابو ظبي و مدينة تروبنشتاين الالمانية . 
في كتابها الثمين ( اسطورة الجسد والروح ) الصادر من مطابع دار الاديب - عمان الاردن لسنة ٢٠١٧ المتضمن لوحاتها العديدة التي جاوزت (  ١٥٠ ) لوحة والتي تشرفت بنسخة منه كهدية عزيزة ويضم الكتاب مقالات نقدية وصور الفكيكي العائلية مع اهداء يفتتح الكتاب المطبوع بأناقة لافتة وفيه تهدي الكتاب الى عائلتها، زوجها واولادها واحفادها، تكون بهذا بتول الفكيكي، امرأة كل الفصول, هي الحبيبة والزوجة والام والجدة والصديقة ولم تنس كل هذا وهي ترسم المئة وخمسون لوحة ويزيد
 


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. للارواح الوان
نزار - GMT الجمعة 02 مارس 2018 08:20
اعمال فنية جسدت رؤية الفنانة ِلتَلتقي بتراث عميق واجمل منه الحضور الرائع لما هو معاصر في حياتنا اليوم. كل التوفيق للاعمال ولمن كتب عنها من استراليا
2. للارواح الوان
نزار - GMT الجمعة 02 مارس 2018 08:20
اعمال فنية جسدت رؤية الفنانة ِلتَلتقي بتراث عميق واجمل منه الحضور الرائع لما هو معاصر في حياتنا اليوم. كل التوفيق للاعمال ولمن كتب عنها من استراليا


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.