: آخر تحديث

"ليلة المعاطف الرئاسية" بين غرائبية الواقع وأسطرة الرواية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم فاضل ثامر 

رواية ليلة المعاطف الرئاسية هي الرواية الأولى للكاتب العراقي محمد غازي الأخرس. هي في الواقع الأمر ليست مجرد رواية: إنها لعبة سردية مدروسة تقودنا داخل متاهة لا نهاية لها، يتداخل فيها الواقعي بالإيهامي والفنطازي بالأسطوري. وهي كما أرى، مؤشر مهم على نضج التجربة الروائية الجديدة في العراق، وعلى تجاوز كتاب الرواية العراقيين مرحلة الفطام وانتقالهم إلى مرحلة التحدي والعبور إلى لغات وثقافات أخرى. 
الرواية تستند إلى بنية معمارية وهندسية مركبة، يمكن القول أنها عمارة ذات طابقين، كل طابق له أجواؤه وشخصياته، حتى ليشعر القارئ بالحيرة من مغزى كتابة حبكتين أو حكايتين متوازيتين، وتنتميان إلى زمنين ومكانين متباينين، لا يمكن للخطين المتوازيين أن يلتقيا، لكن محمد غازي الأخرس، أكد لنا، من خلال هذين النصين السرديين المتوازيين، أن الخطين المتوازيين يمكن أن يلتقيا داخل الجحيم العراقي، كما كشف عن ذلك في الفصل الاخير الموسوم "فك الأشتباك"، لأنهما ينبعان من منبع واحد، وأنهما في النهاية متكاملان ويشكلان الصورة الكاملة للعبة الصور المقطعة، وبالتالي يمهدان الطريق للخروج بحذر من المتاهة وإعادة تأمل الدلالات التأويلية والسيميائية للرواية. 
هي واحدة من الروايات العراقية القليلة التي تسبب صدمة للقارئ، قد تدفعه الى الانكفاء والتوقف عن القراءة، هربا من العالم الكابوسي، الكافكوي، الذي خلقته. القارئ العادي بحاجة إلى شجاعة وإرادة لمواصلة قراءة مثل هذه الروايات الموجعة والفاجعة. شخصيا لم أستطع أن أكمل بعض روايات الروائي العراقي نصيف فلك ، ومنها روايته" قياموت"، لأنها كانت صادمة ومرعبة ومخيفة، لأنها كدست كل هذه الأوجاع والميتات وقذفتها في وجه القارئ، دون أن تتوافر على الأداة أو المنظور الذي يخفف، إلى حد ما، من حدة هذا العالم الدموي الوحشي والمتوحش معاً. لكن الروائي العراقي الجديد، والحداثي بحق، اكتشف في الكوميديا السوداء منظوراً يترشح، اذ (يفلتر) من خلاله قتامة العالم الذي ينتهك الكرامة الإنسانية بلا رحمة. وهذا ما فعلته هذه الرواية فقد كان منظور الكوميديا السوداء هو العدسة التي أطل من خلالها المؤلف على عوالمه لينقذ القارئ من السقوط في هاوية "التماهي" العاطفي والنفسي مع شعرية القسوة (الآرتورية). وبالتالي تمكينه من استعادة توازنه وتماسكه ليواصل القراءة عبر منظور نقدي تأملي قريب مما يوفره مفهوم "التغريب" في المسرح البريختي. 
يمكن القول أن"الكوميديا السوداء" هي الإسفنجة التي امتصت كل هدا القبح والتوحّش وجعلت القارئ يتلقى الرواية دونما تفجع أو عاطفية سنتمتالية مفرطة أو سقوط في التماهي.
يستهل الروائي روايته التي تضم أربعين فصلاً مرقماً، هذا إذا افترضنا أن الفصل الأخير غير المرقم والذي يحمل عنوانا دالاً  "فُض الاشتباك" هو الفصل الأربعين، بسرد عبر ضمير الغيبة، لكنه في حقيقته صورة مموهة لأنا الراوي المتكلم، كما يذهب إلى ذلك تودوروف، نجد فيه الراوي الضمني الذي يسميه المؤلف بالقارئ في مواجهة رجل يرتدي خوذة وهو يهبط من دبابة:
"- من أنت؟
-    أنا الجنرال كوكز، لا تخف يا أخي.." (ص٥)
-     وبذا يقودنا المؤلف عبر عشرين فصلاً إلى عالم الطابق السفلي من معمارية الرواية، بكل غرائبيته وفنطازيته. وسنكتشف أن هذا العالم هُو كناية عن عالم التوحّش الذي نسجه النظام الدكتاتوري السابق، وسوف نكتشف لاحقاً من خلال قراءة تأويلية فاحصة أن هذا العالم يتماهى مع "العالم السفلي " في الميثيولوجيا الإغريقية والرافدينية، وفِي هذا الفصل سيحسم الجنرال الزمن الذي سوف تستغرقه صحبة الجنرال للقارئ وهي مجرد ساعات:
- كم سنتأخر ؟
- مجرد ساعات.  (ص٦) 
ولا يمكن للقارئ العادي أن يتخيّل لحظةً أن الزمن السردي في الرواية هو مجرد ساعات. لكن هذا هو الواقع، فأحداث الرواية كلها تجري في المستويين السردين خلال بضعة ساعات أو ليلة واحدة وهو ما يؤكده عنوان الرواية "ليلة المعاطف الرئاسية". 
ففي الفصل الثاني، المكرس، لسكنة الطابق العلوي من عمارة الرواية يتلقى الراوي الذي يوظف ضمير المتكلم مكالمة هاتفية غامضة تطلب منه أن يقدم خدمة إنسانية لشخص يعرفه من خلال اصطحابه بسيارته لإنجاز مهمة محدودة لا تستغرق الكثير من الوقت. ويكتشف الراوي أن النداء الغامض كان من مدير مدرسته الأستاذ عواد الذي استنجد به لإنجاز هذه المهمة، وربما طلب منه أن ينهض بالمهام بناء على توصية خاصة من الجهة التي طلبت هذا الحضور، تماما مثلما اكتشف "القارئ" في الفصل الأول أنه استدعي بوصفه قارئا جيداً للشعر من قبل شاعرة تكنّى بـ"الخاتون". وهكذا تجوب السيارة  شوارع بغداد من حارة إلى أخرى بحثاً عن ذلك الهدف الغامض. فهي ـ زمنياً ـ مجرد ساعات للزمن السردي للرواية. ويتأكد هذا البعد الزمني للرواية في الفصل الختامي الموسوم "فك الاشتباك" عندما يقوم الجنرال كوكز في نهاية الرواية باصطحاب الراوي وإعادته إلى بيته: 
"فتحت باب الدبابة وجلست. كان الجنرال يتهيأ للانطلاق. نظارته على عينيه، وابتسامة محيرة بدلالتها ترتسم على شفتيه: 
ـ كما وعدتك، لم تستغرق المهمة سوى ساعات.. هيا بنا. " (235ص) 
هذا هو الزمن السردي للنصين أو الروايتين المتوازيتين. لكن كيف لهما أن يسيرا وبتوازٍ، وهما ينتميان إلى زمنين متباعدين؟ إذْ ان زمن القارئ والجنرال كوكز ينتمي إلى عالم النظام السابق قبل سقوطه، وتحديداً في ظروف الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، بينما زمن الراوي والمعلم عواد ينتمي إلى المشهد العراقي بعد الاحتلال، وتحديداً في فترة اشتداد الصراع الطائفي والإرهابي بين عامي 2005 ـ 2007. بل وأنّى لهاتين البنيتين السرديتين المتباينتين أن تلتقيا في النهاية عبر دمج الشخصيات والوقائع، أمام دهشة القارئ التقليدي، الذي يحتاج إلى تأمل فيما يرى ويقرأ، ربما ليكتشف وحدة هذين العالمين، وأنهما مثل الكتابة على "طرس" ، أو جلد غزال، يكشفان عن عوالم خفية، ممحوة تارة، وظاهرة تارة أخرى، وربما هما وجهان لعملة واحدة . 
وبالتأكيد لم يكن ممكنا للروائي أن يحقق ذلك بدون الاستعانة بمقومات التخييل والفنطازيا والإيهام والأسطرة. وهنا تكمن مقدرة الروائي الذي استطاع أن يجمع هذين الضدين كمن يمتطي صهوة حصانين جامحين في آنٍ واحد ليقودهما سالمين إلى الحضيرة. ثمة الكثير من السيمترية البنيوية في الرواية، فهناك في كل مستوى راوٍ قد سمّي "القارئ" ويتحول بقرار من الجنرال كوكز إلى "كاتب"، وقد يسمى بالراوي، ونكتشف لاحقاً أنه ممثل المؤلف أو راويه الضمني وخاصة عندما يتحدث صراحة عن كتابة رواية ( ص184) من خلال مؤشر ميتاسري واضح، وأخيراً من خلال عثوره على مخطوطة رواية تحمل اسم "ليلة المعاطف الرئاسية" مما يوحي لنا أن هذا الراوي ،الذي سوف يلتحم بشخصية القارئ / الكاتب هو كناية عن المؤلف ذاته، في مؤشر آخر على الطبيعة الميتاسردية للرواية: 
"في الظهيرة وجدتني أمام كرفان أصفر.. كانت أمام أريكة منضدة زجاجية حمراء عليها دفتر سميك ذو غلاف أزرق تناولته وقرأت عنوانه "ليلة المعاطف الرئاسية" (234) 
وثمة إشارة إلى موت القارئ / الكاتب الذي تؤكده الشاهدة "هنا يرقد القارئ.. هنا يرقد الكاتب" (ص234) لكني أعتقد أنّ القارئ / الكاتب لم يمت، وإنما اندمج بشخصية الراوي/ المؤلف. إذ إننا نعلم أن القارئ / الكاتب الذي اصطحبه الجنرال كوكز لم يحضر بسيارة وإنما في الدبابة، لكن ثمّة إشارة في الصفحة الأخيرة إلى أن هذا القارئ عندما خرج من المعسكر، وقبل أن يلتقي بالجنرال كوكز في البوابة كان قد ألقى نظرة أخيرة على سيارته المصادرة: 
"تلفت ورائي لأرى آخر صورة لسيارتي. كانت مركونة قرب الدواليب" (ص 235) ونحن نعلم أن من جاء بسيارته هو الراوي الذي اصطحب مديره الأستاذ عواد في تلك المهمة القاتلة، وليس القارئ/ الكاتب، الذي جاء بدبابة الجنرال كوكز. وهو ما يؤكد اندماج شخصيتي الراويين في النصين أو البنيتين السرديتين المتوازيتين. 
ومن مظاهر السيمترية في الأنساق البنيوية للرواية أن النص ينهض على شخصيتين مركزيتين، قد يكون ثنائياً: القارئ والجنرال كوكز من جهة، والراوي ومعلمه الأستاذ عوّاد من جهة أخرى. وهناك أيضا انتظام سردي لا يمكن تجاهله يتمثل في تناوب السرد بين الحبكتين.  فمعظم الفصول الفردية الترقيم مكرسة لسرد حكاية القارئ والجنرال كوكز، بينما خصصت الفصول ذات الترقيم الزوجي لسرد حكاية الراوي ومعلمه الأستاذ عواد. ومثل هذا التناظر يمنح الرواية توازناً وتكاملاً يساعد على حركة البنيتين السرديتين بصورة متوازية قبل انحلالها واندماجهما معاً في الفصل الأخير الموسوم (فُك الاشتباك). لقد كانت الرواية تتحرك من عالم الواقع الى عالم الفنطازياـ ومنه الى عوالم الغرائبية والأسطرة . وهذه الأسطرة ليست على مستوى أسطرة الشخصيات فحسب، بل ان الرواية بكاملها قد تأسطرت وخلقت نظامها الميثولوجي الخاص بها.
لقد نسج المؤلف عالماً روائياً غريباً، يرمز الى أقصى درجات القسوة التي تعرض لها المجتمع العراقي في زمن النظام السابق، وخلال سنوات الحرب الطائفية بعد الاحتلال. وليس من المصادفة أن يكتشف القارئ وجود (عالم سفلي) داخل المعسكر مخصص للموتى.  اذ أن في ذلك اشارة مهمة للترميز الى قسوة النظام الشمولي السابق، وتشابهه مع صورة "العالم السفلي" في الثقافات والميثيولوجيات الإغريقية والرافدينية.  وهذا ما يلزمنا بتقديم قراءة تأويلية للرواية اعتماداً على الشفرة التأويلية عند رولان بارت نظراً لوجود تماثلات بين العالم السفلي في الميثيولوجيا ونظيره في عالم القمع والموت، في ظل النظام السابق، والذي قدمته رواية "ليلة المعاطف الرئاسية". 
من المعروف أن مفهوم "العالم السفلي" مشترك بين الكثير من الثقافات والحضارات والميثيولوجيات العالمية القديمة منها، وفي بلاد ما بين النهرين وبلاد الإغريق وفي الميثيولوجيا المصرية والأفريقية والشامانية. والفكرة العامة قي الميثيولوجيا الإغريقية إن الآلهة الثلاثة، الأشقاء، زيوس وبوسيدون وهيديز، قد تقاسموا العالم فأصبح زيوس مسؤولا عن السموات heavens  أو العالم العلويupper world    ، بينما اخذت شقيقتهم بوسيدون عالم البحار واستلم هيديز Hades  مسؤولية العالم السفلي lower word   أو under world ، وهو عالم تخييلي يقع تحت الأرض ويمثل الجحيم hell  ،حيث يذهب الموتى بعد موتهم إلى هذا العالم ليواجهوا مصائر مختلفة ، منها العقاب والتعذيب. وهناك روايات مختلفة عن كيفية نزول الموتى إلى العالم السفلي منها أن الإله هرمس هو الذي يقود الموتى إلى هذا العالم. ولعبور أحد أنهار العالم السفلي، يطلب من الميت أن يحمل قطعة نقدية معدنية يضعها تحت اللسان أجرةً يسلمها إلى البلام (شارون) الذي يقله عبر النهر إلى مملكة الموتى، وأحيانا يجوز أن يحمل الميت غصناً ذهبياً مقطوع من شجرة ليسمح له بالعبور. 
وهناك قصص كثيرة عن محاولات الهبوط الى العالم السفلي منها قصة هبوط الشاعر والموسيقي أورفيوس لاسترجاع زوجته الجميلة يوربيدس التي ماتت بعد أن لسعتها أفعى سامة. وفِي الميثيويوجيا الرافدينية هبوط عشتار لاسترداد تموز من عالم الموتى وغيرها كثير، وكلها تشير الى سلطة حاكم العالم السفلي هيديز المطلقة على الأحياء والأموات معا. وفِي الغالب، يتلّقى الموتى صنوفاً مرعبة من العذاب والعقاب ويقتاتون على التراب والطين فقط. ومن الواضح أن الروائي محمد غازي الاخرس قد صنع "عالمه السفلي" كنايةً عن عالم البطش والقتل والعنف الذي خلقه النظام الشمولي السابق ممثلاً بالمعسكر الأمريكي المقام في طريق مطار بغداد، والذي يشرف عليه الجنرال كوكز، بتكليف خاص من الدكتاتور الذي يقود البلاد. ونجد تشابهاً كبيراً بين هيديز حارس العالم السفلي في الميثيولوجيا الإغريقية والجنرال كوكز.  فكلاهما يرتديان خوذة ويمتلكان سلطات مطلقة على عالميهما. كما ان القارئ عند هبوطه الى العالم السفلي طلب منه الجنرال كوكز شرطاً للدخول يتمثل في تقديم عين أحد الموتى لحارس العالم السفلي، وفعل ذلك تماماً، بعد أن قدم للميت معطفه مقابل عينه التي قدمها للحارس. كما وجدنا أن الموتى في عالم المعاطف الرئاسية أيضا يقتاتون على التراب، وغير ذلك كثير. 
يمكن القول أن الروائي قد اكتشف المعادل الموضوعي والرمزي المقابل لنظام العسف والاضطهاد والقمع الذي أنتجه النظام الدكتاتوري، لكن العالم السفلي في الرواية ينطوي على مشروع خطير باركه الدكتاتور القائد شخصياً واشرف عليه عدد من الخبراء ومنهم شاعرة تكنّى بـ"الخاتون" نكتشف أن اسمها هو علياء مطر وهي شاعرة وتحمل دكتوراه في العلوم البيولوجية والنفسية وتتابع مشروعاً للبحث عن العناصر الجينية (الجينوم) للشجاعة، لغرسها لدى المقاتل العراقي وللتخلص نهائياً من جينوم الخوف والجبن. وهو المشروع الذي يشرف عليه الجنرال كوكز شخصياً. وهذا المشروع ليس مجرد تخييل فنطازي بل ينهض على تجارب علمية وعنصرية عديدة استخدمتها الكثير من الدول، ومنها النازية للبحث عن نقاوة العنصر الآري.
ونظرية "الخاتون" في الرواية تفيد من كشوفات عالم النفس النمساوي الفريد أدلر الذي أجرى أبحاثاً مختبرية عن مقومات الشجاعة والخوف والجبن. وتكشف المراحل المختبرية لمشروع الخاتون عن درجة القمع التي استخدمت لاستخلاص النتائج المطلوبة من خلال قطع رؤوس الموتى لتحليل عناصرها الجينية وتقسيمها الى ثنائية الشجاعة / الجبن، كما إن معظم الباحثين الذين يشرفون على المشروع كانوا يتعرضون بين فترة وأخرى إلى التصفيات الجسدية منعاً لتسرب أسرار المشروع إلى الآخرين.  ونكتشف لاحقاً أنّ سر المعادلة الذي يبحث عنه الجنرال كوكز مخبأ داخل ديوان "الخاتون"، وأنها قد خبأته داخل خزانة تحت سرير والد كوكز (أو والد القارئ)، وإن على القارئ أن يعثر على الديوان ، ويقوم بقراءة تأويلية لمعرفة كلمة السر (الباسوورد) للوصول إلى المعادلة.  ونجد أن كلمة "تأويل" ترد في العديد من المواقع داخل الرواية، وربما هي التي حفزتنا على تقديم هذه القراءة التأويلية الافتراضية لبنية الرواية وأسرارها وأنساقها السردية المعقدة وعوالم المتاهة التي يجد الناقد نفسه ضائعاً فيها. 
إذ نجد الجنرال كوكز، وهو يخاطب الرئيس مؤكداً على ضرورة الركون إلى التأويل "التأويل، يا سيادة الرئيس، هو الذي يوصلنا إلى المعادلة، ولا معادلة دون العثور على التأويل" (ص225)  كما نجد القارئ الذي تحوّل إلى كاتب بقرار من الجنرال كوكز، يقف حائراً أمام طلب الجنرال كوكز بأن يكتب التأويل: 
" ظهرك سينكسر من ثقل المجلد الذي بيدك، ومع ذلك لن تستطيع القراءة، عليك أن تكتب. 
ـ أكتب ماذا؟ 
ـ التأويل.." (ص 119) 
بل إن الموتى داخل العالم السفلي، توسلوا بالقارئ أن يساعدهم بالحصول على ديوان الخاتون وتأويل القصائد: 
" ـ أنت أيها القارئ، لماذا لا تساعدنا؟ 
ـ ماذا علي أن أفعل لأساعدكم؟ 
ـ أعثر على ديوان الخاتون الذي خبأت فيه المعادلة، أعد تأويل القصائد" (ص101) 
كما أن كوكز كان يضع القارئ أكثر من مرة أمام مسؤولية القيام بعملية التأويل، "إنها مهمة لا يقوم بها سوى القرّاء الأبطال والكتاب الأبطال، ومن ثم "المؤولون الأبطال" (ص7) إذ "قال الجنرال كوكز أن المعادلة موجودة في المعسكر وأن الخاتون قد بعثرتها في ديوانها الشعري، ووضع على كاهل القارئ مهمة العثور على سر المعادلة: 
" ـ نستطيع العثور عليها معاً، صدقني يا أخي القارئ الممتاز، نستطيع" (ص 40) كما نجد أن الكاتب الذي استجاب لنداء مدير مدرسته الأستاذ عواد هو الآخر يشعر بالحاجة إلى اعتماد التأويل من خلال قراءة رسائل الأستاذ عواد إذ خيّل للكاتب أنه بحاجة إلى باسوورد، الصندوق الأسود، الخاص بالأستاذ عوّاد، ذلك أنه كتاب تأويلات لا تنفد: 
" أنا لم أتعرف إلا على صورة واحدة من صور استاذ عواد، إنه كتاب تأويلات لا تنفد.. (ص 203) ولمعرفة الشفرة التأويلية لمديره الأستاذ عواد، وقد أصبح مجرد جثة هامدة، شعر الكاتب أنه بحاجة إلى التأويل: 
"ليس ثمة غير طريق واحد مفتوح: اسمه التأويل، قراءة الرسائل وتخيّل ما وراءها، ثم الاطلاع على الفديوات وتأويل دلالتها النفسية، لشخصية كشخصية الأستاذ عواد.." ( 213 ـ 214 ) 
وعلى الرغم من كل هذه التأكيدات على ضرورة الاتكاء على التأويل ، لكشف "باسوورد" المعادلة المطلوبة، وعلى الرغم من أن الهدف من اختطاف القارئ من قبل الجنرال كوكز، كان يقصد به قيام القارئ بمثل هذا التأويل، إلا أن الرواية لم تكشف عن قيام القارئ بمثل هذا الدور، أو محاولته استنطاق ديوان "الخاتون" تأويلياً. وكل ما وجدناه عثور الجنرال كوكز على الديوان، الذي كان مدفوناً داخل خزانة تحت سرير الأب الميت، واحتفاظه به ( ص213) ، دونما طلب لاحق من الجنرال كوكز بقراءته تأويلياً. ومن غير الواضح للقارئ فيما إذا كان الجنرال قد توصل إلى المعادلة أم لا، إذ بقي الأمر معلقاً، ربما للإشارة من قبل المؤلف إلى عبثية مثل هذا العمل ولا واقعيته، والسخرية منه في ضوء معطيات "الكوميديا السوداء". ومن الجانب الآخر، لاحظنا أن الديوان نفسه لا يحمل أي شفرة تأويلية تحيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى سر المعادلة المقصودة، اللهم إلا إذا كانت موضوعة ضمن "حساب الجمّل" في اللغة العربية، أو "حساب التواريخ" في الشعر العمودي، لكننا وجدنا في المقطع الأول المنشور من الديوان إشارة غير مباشرة إلى عنوان الرواية. ففي حوارية بين امرأة ربما هي الشاعرة أو حبيبتها (ربما هو عزرائيل) نقرأ:"حين ابتسم خرج من فمه جيش صغير من الجنود المهزومين. كانوا ينوحون بطريقة لم أعهدها، يلبسون معاطف رئاسية ملونة، عليها نياشين" (ص15) وهذه الإشارة تقودنا إلى التأمل في دلالة العنوان بوصفه عتبة نصية دالة على ما يرى الناقد جيرار جينيت. فمن المعروف تاريخياً أن ارتداء المعاطف الجلدية الطويلة التي كانت تصنعها شركة الجلود العراقية أو تستورد من الخارج، قد شاعت لأول مرة ين حاشية النظام الدكتاتوري السابق، فأطلق عليها الناس مصطلح المعاطف الرئاسية.. وأصبحت لفترة من الزمن تقترن بالسلطة والعنف والخوف، وأن أصبحت لاحقا شائعة وفقدت دلالتها الأصلية. وإذا ما كان ديوان الخاتون قد أشار إلى حشد من الجنود المهزومين الذين كانون يرتدون "المعاطف الرئاسية" كما أشرنا إلى ذلك تواً،  فإن القارئ (الذي أصبح كاتباً بأمر من الجنرال كوكز) قد عثر قبيل مغادرته المعسكر على "دفتر سميك ذو غلاف أزرق" يحمل عنوان الرواية الحالية "ليلة المعاطف الرئاسية"، يبدو أنه كان مخبأً في معطف الراوي أو الكاتب، وهذا تأكيد آخر على الطبيعة الميتاسردية للرواية: 
" كانت أمام الأريكة منضدة زجاجية حمراء عليها دفتر سميك ذو غلاف أزرق، تناولته وقرأت عنوانه ـ ليلة المعاطف الرئاسية ـ دهشت وأنا أقلبه. إنه مخطوطة رواية تخلو من اسم مؤلفها " (ص234) وعندما قاد الرجل الستيني القارئ إلى قبر المؤلف قرأ شاهدة تقول : هنا يرقد القارئ.. هنا يرقد الكاتب. 
كما يمكن ملاحظة أن عنوان الرواية يتكون من مضاف ومضاف إليه، وهي طريقة شائعة، وخاصة في توظيف كلمة "ليلة" في الكثير من الأعمال الروائية والسينمائية ومنها رواية "ليلة القدر" للطاهر بن جلون و"ليلة لشبونة"  للروائي الألماني أريك ريمارك، صاحب رواية "وقت للحب وقت للموت". 
ومن الملاحظ أن كلا الروايتين تستغرقان ليلةً واحدة من الناحية الزمنية، وكذلك هو الحال بالنسبة لرواية "ليلة المعاطف الرئاسية"، لكن الروايات الثلاث، من الناحية الفعلية، تمتدان على فترة زمنية طويلة من خلال فعل الاستذكار ،واستحضار الماضي أولاً، أو من خلال ضغط الأحداث وتكثيفها وتتابعها على وتائر سردية مترابطة ومتلازمة وسريعة لتوفر إحساساً عالياً بالتوتر والشد والتواصل، وهي لعبة سردية لجأ إليها عدد كبير من الروائيين العالمين والعرب منهم جيمس جويس في روايته "يوليسيس" التي استغرقت رغم طولها يوماً واحداً هو يوم الأحد، ورواية "مصابيح أورشليم" للروائي العراقي علي بدر التي استغرقت مثل " يولسيس" يوماً واحدا أيضا هو يوم السبت. 
رواية محمد غازي الأخر "ليلة المعاطف الرئاسية" رواية متميزة بكل المقاييس وهي تومئ إلى موهبة روائية ناضجة تدرك التفاصيل الجوانية للواقع الاجتماعي والسياسي، وتعيد تشكيله من خلال عدسة "الكوميديا السوداء" وذلك لإسقاط جدار الخوف وتفكيكه من خلال السخرية والتقزيم، وهو ما سبق وأن ألمحت إليه رواية "اسم الوردة" للروائي الإيطالي إمبرتو أيكو. يمكن القول أن الشفرة التأويلية الحقيقية للرواية هي أنها فككت شفرة العنف والإرهاب والتسلط والقتل المجاني للإنسان الذي تمارسه سلطات العنف الفعلي والرمزي، ووفرت للإنسان زاوية نظر جديدة مفعمة بالامل والتطلع على قدرة الإنسان لمواجهة  العنف البربري بسخرية واثقة بعيدا ًعن الخوف، وهو يتطلع إلى المستقبل.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات