: آخر تحديث
10 سنوات منذ انهيار "ليمان براذرز" والفقاعة العقارية

هل سيواجه العالم أزمة مالية جديدة؟

في السنوات القليلة الماضية، دخلت العملات الرقمية المشفرة، وتصاعدت التوترات الجيو-سياسية، واعتمدت الإجراءات الحمائية والحروب التجارية. هذه مكونات وصفة مثلى لأزمة اقتصادية جديدة، مختلفة عن فقاعة 2008.

نهاد اسماعيل من لندن: شهد العالم أزمة مالية حادة في عام 2008، هزت أركان النظام الرأسمالي العالمي، وتركت آلاف الضحايا من الخاسرين. لكن جذور المشكلة التي أدت إلى انهيار مؤسسة "ليمان براذرز" المصرفية في سبتمبر 2008 تعود إلى عام 1997، عندما مرّت اليابان بأزمة مالية حادة، سببها المباشر الديون العقارية السيئة المستعصية بقيمة تريليون دولار، تراكمت منذ الثمانينيات.

بلغت ديون بنك ليمان براذرز نحو 600 مليار دولار، ما مثل ضربة قوية للقطاع المالي الأميركي، كما كانت له أصداء عالمية. انهار الكثير من الشركات في جميع أنحاء العالم. شكل انهيار "ليمان براذرز" زلزالًا هز الاقتصاد العالمي، وأشعل شرارة الأزمة نظرًا لضخامة حجم أصول المصرف التي وصلت إلى 700 مليار دولار. وانتشرت الأزمة كالنار في الهشيم، وهوت البورصات العالمية، وسادت حالة من عدم الثقة بين المصارف، وبدأت حملة انهيارات في مصارف أوروبية وأميركية وآسيوية لترابطها بعضها مع بعض كقطع الدومينو.

ممارسات خاطئة

من أهم أسباب حدوث الأزمة المغامرة غير المدروسة وبعض الممارسات غير المسؤولة من قبل الإدارة، والمجازفة لجني أرباح غير واقعية، وتزييف وثائق والتلاعب بالأرقام والبيانات، وكلها مجتمعة لعبت دورًا كبيرا في خلق الأزمة.
 
لعقود من الزمن، دأبت الحكومات على التقليل من أهمية الأزمات. لكن هذه المرة تحركت الحكومات والمصارف المركزية العالمية بسرعة، إلا أن تأثير عامل الدومينو كان يتعاظم، وحجم الأصول المسمومة ومشتقاتها المالية في المصارف خلقت الأزمة المالية التي كانت تعيث فسادًا في الأسواق في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم منذ أغسطس 2007، والتي تكمن أصولها في فقاعة اقتصادية في الديون المتعلقة بالرهن العقاري.

فشل المنظمون والمشرفون على أسواق المال والتمويل العقاري في كبح جماح الإفراط في تلك المخاطر. وازدادت فقاعة قروض الإسكان انتفاخًا حتى انفجرت.

في أغسطس 2007، بدأت أنظمة المال الأميركية والأوروبية تنفجر بذاتها نتيجة لديون العقارات التي تحمل مخاطرة كبيرة. ارتفعت المديونية الأميركية بنسبة 24 في المئة من اجمالي الإنتاج المحلي. أساس المشكلة كان ممارسات المصرفيين في إعادة صوغ الديون واعادة تغليفها وتسويقها بصفتها أدوات مالية ذكية، بمباركة حكومية.

ماذا حصل؟

التاريخ ملىء بالأمثلة عن فقاعات مالية انفجرت ودمرّت الكثيرين: فقاعة بحار الحنوب في القرن الثامن عشر، ووهوس سكك الحديد في أربعينيات القرن التاسع عشر، وأخيرًا فقاعة الانترنت في التسعينيات.
يرى بعض المحللين والمراقبين أن قوة الاقتصاد تخلق عادة شعورًا بالتهاون والرضا واللامبالاة.

بدأت بوادر أزمة عام 2008 تظهر عندما أعلن مصرف بي.إن.بي باريبا الفرنسي وآي كي بي دويتشه الصناعي الألماني مواجهتهما مشكلات وصعوبات تتعلق بحوزتهما المالية من سندات القروض العقارية الأميركية. كان واضحًا منذ عام 2007 أن عددًا كبيرًا من زبائن القروض العقارية عاجزون عن سداد الديون المستحقة عليهم. ولأن الديون مغلفة بتسميات مختلفة، كان صعبًا وضع الإصبع على الجرح.
الثقة بالسلطات المالية تبخرت، وفقدت المؤسسات المالية صدقيتها، ولا سيما بعد انهيار مصرف ليمان براذرز في سبتمبر 2008.

لأسبوعين، توقف الإقراض والاقتراض في الولايات المتحدة. تدخلت الحكومات لدعم قواعد السيولة من خلال رسملة المصارف واعادة تمويلها، ما أجبر هذه المصارف على الاعتراف بالخسائر الناتجة عن الديون المسمومة غير القابلة للسداد. تدريجًا، استعادت أسواق المال قدرتها، ودخل العالم مرحلة التعامل الحذر بعد الصدمة القوية التي هزت الأسواق. بحسب تقديرات "فايننشال تايمز"، ربما تكون الصين قادرة على تجنب كوارث من هذا القبيل بسبب احتياطاتها النقدية الضخمة.

السيناريو نفسه؟

أصدرت شركة ماكينزي الاستشارية الدولية أخيرًا تقريرًا يتعلق بالتغيرات التي حدثت للاقتصاد العالمي في السنوات العشرة الأخيرة، وتحديدًا المديونية التي عصفت بالنظام المصرفي الأميركي وهزت أركانه.

يقول التقرير إن لا سيولة زائدة عن الحاجة تغرق فيها الأسواق، ويعود الفضل في ذلك إلى الرقابة والقيود التي فرضتها البنوك المركزية والسلطات التنظيمية بعد اندلاع أزمة عام 2008.

أشار التقرير إلى 5 نقاط وملاحظات تغطي المديونية العالمية، تُلخص بالآتي:

-ارتفع إجمالي المديونية الحكومية والشركات والعائلات بما يزيد على 70 تريليون دولار منذ عام 2007.

-الصين وحدها تستحوذ على ثلث المديونية. وبلغت قيمة ديون الشركات 66 تريليون دولار في أواسط عام 2017. أغلبية هذه المديونية موجودة في الدول الناشئة، وهناك تكمن جذور أزمة جديدة خصوصًا بعد تهاوي الليرة التركية.
 
-نعرف أن القروض المشكوك فيها لشراء العقارات ساهمت في انهيار عام 2008، وهذا يفسر انخفاض حجم مديوينة العقارات المنزلية في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن العكس حدث في أستراليا وكندا وسويسرا، حيث ارتفعت مديونية العائلات. 

-باتت المصارف آمنة، لكن الربحية انخفضت. تمتلك البنوك العالمية أصولًا سائلة بنسبة أقل من السابق، وقللت من التعاملات التجارية والنشاطات في مجال الإقراض العقاري والمغامرات غير المحسوبة.

-يترقب العالم الفقاعة الجديدة التي ستهدد الاقتصاد العالمي. في السنوات القليلة الماضية، دخلت العملات الرقمية المشفرة إلى الساحة ورافق ذلك تصاعد التوترات الجيو-سياسية والإجراءات الحمائية والحروب التجارية. كل هذه تشير إلى أن الخطر لا يزال قائمًا.

الأزمة المقبلة قد تختلف عن ازمة 2008 وعلينا توخي الحذر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.