كان زكي دغمش ينتظر بفارغ الصبر أي أخبار تطمئنه عن طفليه اللذين احتُجزا في مستشفى الشفاء شمالي غزة منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وانقطع الاتصال معهما لنحو عشرة أيام بعد أن بدأ الجيش الإسرائيلي عمليته العسكرية في المستشفى.

"كنت بموت من الجوع، وكنت أترجى الأطباء كي يعطوني قطعة خبز" هذا أول ما سمعه زكي من ابنه رفيق في أول مكالمة بينهما بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من مجمع الشفاء الطبي الاثنين الماضي، ونقل طفليه رفيق (15 عاما) وشقيقته رفيف (14 عاما) إلى المستشفى الأهلي المعمداني شمالي القطاع.

عَلِق زكي في القاهرة بعد اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ولم يتمكن من العودة إلى قطاع غزة، وكانت صدمته مضاعفة حين قُصف بيته في غزة في غارة إسرائيلية، وقُتل 11 من أفراد أسرته، بينهم زوجته واثنتان من بناته وثمانية من أحفاده.

نجا طفلاه رفيق ورفيف من القصف، لكنهما أصيبا بجروح خطيرة، إذ يعاني رفيق من كسور مضاعفة في الكتف، وآثار شظية في ظهره، وقد خضع لثلاث عمليات بتر في قدمه دون تخدير. أما رفيف فبُترت قدمها، ووضع لها الأطباء مسامير بلاتينية في قدمها الأخرى.

وفي حديث مع بي بي سي نيوز عربي، يقول زكي إن القوات الإسرائيلية نقلت أبناءه من غرف المستشفى إلى القبو، وتركتهما دون ماء أو طعام أو دواء أو رعاية طبية.

لكن الجيش الإسرائيلي نفى هذه الاتهامات وقال إنه سمح بإجلاء المدنيين من المستشفى ونقل المرضى والطاقم الطبي إلى مستشفيات أخرى، كما سمح باستمرار توفير العلاج لمن يحتاجونه.

رفيق ورفيف زكي دغمش قبل الحرب في قطاع غزة
BBC
رفيق ورفيف زكي دغمش قبل الحرب في قطاع غزة

ألم وجوع

في أول مكالمة هاتفية بينهما بعد خروج رفيق من المستشفى، قال لوالده إنه كان يحصل على كمية محدودة جدا من الطعام، "كل يومين أو ثلاثة يعطوننا رغيف خبز أو علبة تونة لكل عشرة أشخاص".

"كل جسمي يؤلمني يا بابا وأنا جائع لا يعطوننا طعاما أو مسكنات أو أي شيء" صدى هذه الكلمات التي سمعها زكي من ابنه ما زال يتردد في عقله، يقول لبي بي سي "ليتني أجوع معه في غزة أفضل من البقاء هنا في القاهرة غير قادرعلى فعل أي شيء".

لم يجد الأب الحزين ما يقوله لابنه سوى وعده بفعل كل ما في وسعه لمساعدته "ناشدت العالم كله من أجل إخراجك من غزة يا رفيق، سأحضرك هنا إلى مصر، وأعالجك، وسأشتري لك أجمل طرف صناعي، وأيضا جهاز آيفون من أجلك".

رفيق في مستشفى الشفاء قبل أيام من دخول الجيش الإسرائيلي
BBC
رفيق في مستشفى الشفاء قبل أيام من دخول الجيش الإسرائيلي

معلومات متضاربة

كان التواصل بين زكي وطفليه صعبا ومعقدا للغاية خلال فترة وجود القوات الإسرائيلية في المستشفى، وكان الأطفال يتواصلون مع عمهم الموجود في قطاع غزة عبر هاتف مخبأ مع ابن عمهم المصاب معهم أيضا.

بحسب رواية زكي، اضطر الأطفال لإغلاق الهاتف باستثناء دقائق معدودة كل عدة أيام حتى يحافظوا على بطاريته لأطول فترة ممكنة، إذ لا يوجد كهرباء في المستشفى.

يقول زكي "كانوا يتصلون بعمهم في قطاع غزة كل يومين أو ثلاثة، وهو ينقل لي أخبارهم".

سمع زكي كثيرا من المعلومات عن وضع طفليه خلال فترة انقطاع الاتصال معهم، لكن لم يكن كل ما سمعه صحيحا، خاصة بعدما نُقل ابنه رفيق إلى مكان غير معلوم، بعيدا عن شقيقته.

يقول زكي "في البداية أخبرني أقاربي في غزة أن رفيق نُقل إلى خيمة طبية أقامها الجيش الإسرائيلي في باحة المستشفى، لأن وضع رفيق كان حرجا للغاية، لكن هذا لم يكن صحيحا، فبعد عدة أيام نقلت ابنتي إلى غرفة أخرى حيث وجدت أخيها في حالة شديدة السوء".

يضيف زكي "تركوا الولد على الأرض مع مرضى آخرين، دون ماء أو طعام، جسمه كان مليئا بالتقرحات وجروحه ملوثة لدرجة أن الدود كان يخرج منها، كان قلبي يتقطع على ابني".

في صباح الاثنين، بعد أن انسحبت قوات الجيش الإسرائيلي، ذهب شقيق زكي إلى المستشفى لأخذ الطفلين إلى البيت حيث تحمما وتناولا الطعام لأول مرة منذ أيام، ثم نقلهما إلى المستشفى الأهلي المعمداني لاستكمال علاجهما.

يقول زكي "لا يوجد أطباء في المستشفى المعمداني أيضا، فقط ممرضين وطلاب طب، لكن على الأقل نظفوا لرفيق جروحه أخيرا".

وقال الجيش الإسرائيلي في تعليق لبي بي سي إنه سمح بإجلاء أكثر من 6 آلاف مدني من مجمع مستشفى الشفاء منذ أن بدأ ما وصفه بـ"عملية مكافحة الإرهاب ضد إرهابيي حماس والجهاد الإسلامي".

وأضاف الجيش الإسرائيلي في تعليقه إنه شن هذه العملية لأن "إرهابيي حماس والجهاد الإسلامي أعادوا التجمع والعمل من المستشفى".

جندي إسرائيلي بالقرب من مستشفى الشفاء
Reuters
جندي إسرائيلي بالقرب من مستشفى الشفاء

مثال على التجويع

قبل نحو أسبوعين، نشر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم فيديو لرفيق من داخل مستشفى الشفاء، كمثال على "التجويع وسوء التغذية".

في الفيديو الذي يبدو أنه صُوّر قبل دخول القوات الإسرائيلية، ظهر رفيق نحيلا للغاية، وكان يقول "لا أستطيع النوم ليلا إلا لساعة أو اثنتين من الألم، أصبحتُ أتمنى الموت أحسن من المعاناة هذه".

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، توفي 21 مريضا في مستشفى الشفاء منذ بدء الجيش الإسرائيلي عمليته في 18 مارس/ آذار الماضي، حتى مساء الأحد 31 مارس/ آذار، كما قال المدير العام للمنظمة إن كميات الطعام في المستشفى محدودة للغاية، ما شكل تهديدا على حياة 107 من المرضى الذين كانوا محتجزين داخل المستشفى، ويفتقدون الطعام والماء والدواء والرعاية الصحية.

وفي أعقاب انتهاء العملية العسكرية في مستشفى الشفاء، قال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه "قتل 200 إرهابيا، واعتقل المئات، كما عثر على أسلحة ومعلومات استخباراتية داخل المستشفى".

على الجانب الآخر، دائما ما نفت حركة حماس العمل من مستشفى الشفاء أو من أي منشأة طبية، وتتهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب "جرائم إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين.