: آخر تحديث

خدعة "تقديس" الشعب  

  حسونة المصباحي

في البلدان العربية، أباح مصطلح "الشعب" لمدبري الثورات الشعبية المزيّفة أن يحكموا الناس بالحديد والنار، وأن ينهبوا الثروات، وأن يزوّروا التاريخ.

 

الشعب قد يفرز أيضا فقهاء الظلام

“الربيع العربي” الكاذب أفرز مثقفين وأحزابا يبالغون في تمَلّق الشعب، ويغالون في تمجيده، وفي مدحه، وإليه ينسبون  كلّ الفضائل، ومعه  يتعاملون  كما لو أنه كتلة مُتَجانسة لا يأتيها الشرّ لا من الخلف ولا من الأمام. وبالنسبة إليهم هو دائما ضحية، ودائما مُجرّد من أي مسؤولية عن كل ما يحدث له. وهؤلاء المثقفون، وهذه الأحزاب يحاولون إيهامنا أيضا بأن مفهومهم  للشعب لا يختلف عن مفهوم ميشلي، مؤرخ الثورة الفرنسية الذي كان يرى أن الشعب هو مجموع الذين يعانون من الفقر وغياب السلطة والنفوذ أمام الطبقة البرجوازية. كما لا يختلف مفهومهم عن مفهوم الرومانسيين الغربيين الذين يعتقدون أن الشعب هو الذي يقوم بالثورة، ويكون  دائما مُستعدا للقيام بها إذا ما احتاج  المجتمع للخروج مما كان ميشلي يسمّيه بـ”التاريخ السيّء”.

والحقيقة أن  هؤلاء المثقفين، وهذه الأحزاب  يحاولون أن يسقطوا هذين المفهومين، أي مفهوم  ميشلي والرومانسيين، على واقع  لم ينضج بعد لهضمهما وتقبلهما.  ثم  إن  مصطلح “الشعب” حديث العهد في اللغة العربية. وليس في كتب الأقدمين ما يفيد بوجوده. ولم يسبق أن تلفّظ به خليفة أو سلطان أو  كبير أم صغير. والكلمات المتفرعة عن كلمة شعب” تفيد معاني سلبية. فالطريق  المتشعبة هي طريق معقدة وملتوية قد تقود إلى الضياع والهلاك. والمسألة المتشعبة هي تلك التي يصعب إيجاد حلول لها. وأغصان متشعبة هي أغصان متفرقة ومتداخلة.

ثم إن هؤلاء المثقفين وهذه الأحزاب ينسون أن طغاة  العصور الحديثة منذ الثورة الفرنسية وحتى هذه الساعة ارتبكوا  أفظع الجرائم  باسم “الدفاع عن مصالح الشعب”، وفي البلدان العربية، أباح مصطلح “الشعب” لمدبري الثورات الشعبية المزيّفة أن يحكموا الناس بالحديد والنار، وأن ينهبوا الثروات، وأن يزوّروا التاريخ. ومن الشعب يأتي الرعاع  والغوغاء، أي أولئك الذين تقول عنهم  قواميس اللغة إنهم “يتبعون كل ناعق، ويميلون مع كل ريح”. ومن الشعب يأتي أيضا الهمّج، وهم الحمقى والمغفلون الذين  يمكن أن يستخدمهم الطغاة والظالمون في التنكيل بالمعارضين والمناهضين لهم.

وقد يفرز الشعب نخبا تافهة تضلّله، وتعبث بمصالحه، وتقوده إلى الخراب والفوضى وهو مستسلم وخاضع لها، ومفتون بأكاذيبها وألاعيبها. وقد يفرز أيضا فقهاء الظلام الذين باسم “نصرة الإسلام”، و”الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر”، ينشرون الفتنة بين الناس، ويحرّضون على العنف، ويهدرون الدماء.

وكان مونتسكيو يقول إنه لا يجب في الحكم الشعبي ذاته، تسليم السلطة لـ”جمهرة الشعب الدنيا”. وفي سيرته الفكرية، أشار الشاعر الألماني  هاينرش هاينه إلى أنه “ينفر نفورا شديدا من كل ما يمتّ بصلة لعامة الناس، ولا يتحمل الاقتراب منهم”. قال هذا رغم أنه لم ينقطع طوال حياته عن الدفاع عن حرية الشعب. وذات مرة ادعى أمامه “ديمقراطي مَسْعور” أنه على استعداد لوضع يده في النار لتطهيرها إذا ما لامستْ يدَ ملك، فكان جواب هاينرش هاينه أنه إذا ما شدّت على يده يدُ “جلالة الشعب” الذي يمتلك كل السلطات، فإنه سوف “يغسلها”.

ويضيف هاينريش هاينه قائلا إن الشعب الذي يصفه بـ”ملك مرتديا أسمالا”،  يجد دائما مُتملقين أكثر مذلة ومسكنة من خدم  قصور بيزنطة وفرساي. وهؤلاء يحلوا لهم أن يرددوا “آه.. كم هو جميل الشعب، وكم هو طيّب وكم هو ذكي!”. وفي الحقيقة لا يمتلك هذا الشعب بحسب هاينه مثل هذه الصفات، بل  قد يكون في  أوضاع معينة، بشعا، وشريرا، وغبيّا، وعنيفا. وهو لا يستجيب إلا لمن يبيعه الأوهام والأكاذيب.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد