: آخر تحديث

المبادئ والمصالح العربية في صفقة القرن

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  إبراهيم غرايبة

بعد أربعين سنة على توقيع معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، وبعد خمسة وعشرين سنة على توقيع معاهدتي السلام الأردنية والفلسطينية مع إسرائيل، ظلت القضية الفلسطينية وكذا التسوية السياسية للصراع العربي- الإسرائيلي تراوح مكانها، أو تتطور على نحو لا يعكس التفاعل والتأثير الحقيقي والمطلوب للفلسطينيين والعرب، أو أنها لم تتقدم في اتجاه واضح، واختفى حزب «العمل» الإسرائيلي الذي حرك التسوية باتجاه بدا مقبولاً للفلسطينيين والعرب، وقتل قائده اسحق رابين على يد متطرف إسرائيلي، وصعد «اليمين» الإسرائيلي المتطرف مؤثراً على السياسة الإسرائيلية باتجاه التأزيم والخوف المتبادل. وفي حين كان بيل كلينتون يأمل أن يختم حياته السياسية على النحو الذي يقترب من تسوية مستقرة تنهي الصراع والكراهية، علق عرفات وباراك في كامب ديفيد، وتقدم شارون في حركة مسرحية أشعلت أزمة فلسطينية إسرائيلية جاءت بشارون رئيساً للوزراء، والذي أقام جداراً عازلاً بين إسرائيل والضفة الغربية على النحو الذي حوّل الساحة إلى «ميؤوس منها».. ثم شغل العالم بالإرهاب وتداعياته عقدين من الزمان، لنعود اليوم إلى الفراغ! 
استبقت «صفقة القرن» بفائض من الاهتمام والمعارضة والعزلة قبل أن تعرف تفاصيلها وحدودها، لكن يبدو أن ترامب يُعول على المشروع ليكون قارب العبور إلى فترة رئاسية جديدة، إضافة إلى أنه بذلك يمنح جبهة المواجهة مع إيران والصين وروسيا مزيداً من التأييد العربي والعالمي، ويعيد التحالف والدفء في العلاقة مع طرفي الأطلسي، إذ تمضي العلاقة الأوروبية والأميركية نحو الخلاف والفتور. 

وأما الإدارة الفلسطينية والعربية فقد ظلت تعمل على مبدأ «دع الأقدار تفعل ما تشاء» ولم يكن لديهم مبادرة يتماسكون ويتحركون حولها، وأما المبادرات والتصورات التي أنشئت فقد ظلت غير قادرة على العمل والتأثير، وما حدث من اختراقات سياسية إيجابية في المشهد كانت مدفوعة بزخم إقليمي وعالمي غالب ومؤثر وبفعل ظروف وأحداث غير متوقعة أو غير بنيوية في المسار السياسي الإقليمي والعالمي، ولذلك فإنها كانت تتآكل بفعل الفتور والعجز عن المبادرة وتحمل المسؤولية.
وكما هو شأن وطبيعة الأشياء في الحياة والعالم، فإن الواقع يتحول تلقائياً ليعمل لصالح فئة من الطبقات والمؤسسات، هكذا فقد تحول هذا الانسداد السياسي إلى مصلحة كبرى لقوى سياسية واقتصادية، وصار الدفاع عن هذا الواقع مصلحة «نخبوية» تتذرع بما يحشد الجماهير والمجتمعات أو يكسب صمتها على الأقل.

إن الانفصال بين مصالح النخب السياسية ومصالح المجتمعات يجعل المبادرات وحتى البطولات في نظر الجماهير والمجتمعات منفصلة عن المنظومة الأساسية المحركة للأمم ومواردها ووعيها لذاتها وما تحب أن تكون عليه، هكذا فإن فشل القيادات السياسية -كما المجتمعات والمصالح والأعمال- في تحويل المبادرات التي مضت فيها الدول والأطراف العالمية والإقليمية للتسوية السياسية للصراع إلى مكاسب اقتصادية وسياسية، ينعكس بوضوح على المجتمعات ويدفعها نحو عمليات معزولة عن الأسواق والمصالح، ثم -ويا للهول- تحولت عمليات المقاومة والمواجهة مع التسوية إلى حماية للمكاسب الصغيرة والفئوية، وصار من مصلحة نخب سياسية منغمسة في التسوية أن تفشل وتظل مستمرة بالقدر الذي تستفيد منه قلة تحتكر التسوية والعلاقات المؤسسية والتجارية مع إسرائيل! يشبه ذلك عندما تتحول برامج حماية طائر أو حيوان مهدد بالانقراض إلى عمليات تجعل الطائر عاجزاً عن التكاثر والاعتماد على نفسه.. وفي الوقت نفسه لا ينقرض!
يحتاج العرب والفلسطينيون أن يحددوا بوضوح وواقعية المبادئ والمصالح التي تحكم مواقفهم واتجاهاتهم وسياساتهم وأفكارهم تجاه التسوية السياسية أياً كانت وبغض النظر عن تفاصيلها أو الإحاطة بها، وأن ينشئوا رؤية واضحة تتقدم خطوات أكثر من إدراك الواقع القائم، وتجسر المسافة بين هذا الواقع الذي يرونه وبين النهاية التي يأملون ويرغبون بها.

وبطبيعة الحال فإنه ليس منتظراً ولا متوقعاً من الولايات المتحدة وإسرائيل، كما العالم أيضاً، أن يحملوا آمالنا وأفكارنا ومصالحنا، ولا أن يعملوا لأجلنا كما نريد نحن، لكن في مقدرونا أن نحمل مصالحنا وآمالنا إلى «اللعبة» القائمة، وأن نكون لاعباً فيها، لأنه وببساطة إذا لم نكن لاعبين فلسنا سوى متفرجين!
لقد استطاعت إسرائيل أن تحول الحالة القائمة إلى مجموعة من المكاسب وأن تمنح الواقع الذي يريد الفلسطينيون والعرب تغييره مزيداً من التماسك والصلابة، وفي المقابل فإن الانتظار والاكتفاء بالتأييد والمعارضة والمطالبة ضمن المقولات والأحداث التاريخية يجعل العالم لا يأخذنا على محمل الجدّ، ويحولنا إلى طرف منسي أو غير مؤثر. 
وبالطبع فإنه ليس مطلوباً تأييد صفقة القرن بالمطلق، بقدر أنه ليس مطلوباً معارضتها بالمطلق، فالموقفان سلبيان وعدميان، لكن المطلوب أن نعي المبادئ والمصالح التي تحكم المواقف والسياسات، ثم نخوض المباراة بما نملك من فرص وقدرات.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد