حيث تنمو العشار.. هو عنوان المعرض الفني الذي حضرته الأحد الماضي، في حي الروضة في جدة، بين فيلات فاخرة، في شارع مظلم، هادئ، لا أنوار ولا صخب، مع أن الوقت رمضان، مساء، حيث كل أنواع الصخب على بعد أمتار، بوابة نصف مفتوحة، تقف أمامها، تستقبلك ستائر تتمايل مع نسائم لا تزال تمتعك بجو رائع، ستارة حمراء بطبعات فراشات، تعرف منذ البدء أن المكان مختلف، يهيئك المدخل للإبداع الذي ستراه في الداخل، هكذا استقبلني غاليري حافظ الذي أزوره للمرة الأولى في موقعه الجديد.

وهي أول مرة أتعرف فيها على أعمال الفنانة سارة العبدلي، والتي من خلال الكتيب الباهر الذي لخص المعرض وأعطانا نبذة عنها، عرفت أن لها تجربة غنية وشاركت في العديد من المعارض المهمة، الأهم بالنسبة لي هي الأفكار التي ألهمت الفنانة هذا الإبداع الذي أمتعتنا به.

من العشار، النبتة التي تحملها العبدلي هواجسها وتعبر من خلالها عن معاني كثيرة، تبدأ الرحلة، تكتب لنا في لوحاتها وهي ترسم العشار كيف ترى العالم، ومن خلاله أيضا تنعي البيت الذي احترق، وتأخذنا حتى أعماق الرهافة، مع المرأة المتكورة على نفسها، في مهب الريح، هي والعشار، واحد.

في مجموعة فراق، نكمل الرحلة مع الفنانة التي لا تودع فقط عزيزا فارقته، لكن تودع بيتا، زمنا، ربما حتى أفكارا. في لوحاتها بلاط، تذكرت البلاط الذي لفت نظري حين زرت بيت الشربتلي في البلد، والذي كان البيت الذي بناه جد الفنانة في الأصل، أتذكر أني صورت البلاط هناك، أعادت لي الفنانة هنا انبهاري بالأصل، لكن الفن، لا يصور فقط، هو يؤطّر المشاعر، يحتفظ بها في اللوحة الخالدة، لوحة تظل تبث تلك المشاعر كلما وقع النظر عليها.

البديع في أعمال سارة العبدلي، هو أنه على الرغم من استخدامها لخامات وألوان مختلفة، لكن يبقى الشعور متصلا، إحساس بالغموض، بالشجن، بالفقد، حتى لوحة العزاء الكبيرة، حين تطالعك الوجوه الكئيبة، المتعبة، تؤكد لك أن هذا ما يجب أن تشعر به، هذا ما تريد الفنانة أن يصلك، بالغواش وورق الذهب على ورق أو بالزيت والأكريليك على الخشب.

قصيدة الماء أيضا، وهو العمل المشترك مع صانعة الأفلام حميدة عيسى تبقيك في نفس الإطار ونفس المشاعر، ويعمق فكرة الفقد، والذات، والمشترك بين الماضي والحاضر.

بقي أن أهنئ فريق العمل على الإخراج الرائع الذي منحنا معرضا بهذه القوة.

لا أعرف كيف، لكن أتمنى أن يشاهد العمل الناس، وألا يبقى بعيدا ونخبويا.