: آخر تحديث

لعنة الجغرافية الكردية والطوف الحجري

اللغة كنايات وصور في كل مايكتب ويقال ، في الشعر كما في الفلسفة والأسطورة و ضروب التعبيرات الأنسانية  ادبية او علمية . بل ان الفيزياء والرياضيات كعلوم خالصة ، بحد ذاتها ، تلجأ للصور والكنايات لشرح قوانينها وليست نظرية الكموم النسبية لأنشتين ، بقوتها الذرية ،  الا نموذجا .

لعنات التاريخ او الجغرافية او الجيولوجيا او لعنة  الفراعنة  او لعنة الكونت مونت كريستو في رواية الكسندر دوما ، محض صور شعرية للتعبير عن الواقع .  لكنها مثل تعويذات  ، حين يؤمن بها ، فأنها تصير فاعلة وقاطعة اكثر من حد سيف دومكلس .في الآونة الأخيرة  قرأت مقالات، اخص من بينها  مقالات الكاتب شمة مال سليم ، وسمعت نقاشات  وتعليقات " مؤمنة " بلعنة" الجغرافية الكردية ، محملة اياها اكثر من طاقتها وفاعليتها . لكن اذا القينا نظرة ، ولو عاجلة  ،  الى وقائع التاريخ وتعليقات الأخباريين  وارتباطها بالجغرافية  :  اليست كل بلدان الدنيا مصابة بلعنة الجغرافية منذ زحزحة القارات التي يفترضها الجيولوجيون ويؤكدونها  بأدلة علمية  مقنعة ؟ كم بلد من بلدان اليوم ، بخرائطها السياسية المعاصرة  لم تصبه لعنة الجغرافية ؟ هل بلاد  الأكراد او " ستان الأكراد  ،  باللغة الفارسية " هو المكان الوحيد الذي صبت عليه آلهة الجغرافية والفصول الأغريقية  "غايا " حمم غضبها ؟ هل نجت المكسيك من لعنة جغرافيتها-  بحضاراتها  التي خربها الأسبان والتي  لو بقيت لأضافت الكثير لحضارة اليوم على حد تعبير الكاتب الفرنسي جان ماري لوكليزيو في " الحلم المكسيكي –ا ام جزيرة كريت ، وديعة التاريخ الجميلة للأغريق ومحطة استراحة آلهات القدر اليونانيات ، ام اندونيسيا ، بلد البراكين التي ابادت البشرية الأولى بسموم دخان براكينها  ، وفقا لبعض علماء الأنتروبولوجيا  ـ ام فرنسا ، بكرومها  ومراعيها  وحروبها الدينية بقول شكسبير ،  ام مدغسقر ، جنة افريقيا  الفقيرة الحال ،بلاد المذابح الأستعمارية  المنسية  ،  ام مصر  بأهراماتها وسؤال ابو الهول الأبدي وربطها افريقيا بآسيا  ،  ام بلاد الرافدين  مهد الأنسانية  بتعبير  س. م . كريمر ،   بجغرافيتها التي جعلتها  اخصب ارض تعبوية لصراع الحضارات ؟ وربما حتى اليوم . حتى تلك البلدان التي ريحها انعم من الحرير ، من ايطاليا الى  كوستريكا في امريكا الوسطى لم تنج من لعنة الجغرافية ، اذا اخذنا التاريخ كمعيار للجغرافية .

جاء الأكراد في فجر او مساء يوم ما  من التاريخ وسعدوا بمناظر الجبال والسهول بين فارس والأناضول وارض النهرين فسكنوها  وما زالوا  " لا نقاش . هذه هي الأسماء التاريخية "  بأختيارهم . ربما بعد ان جربوا ارض اخرى ، شأن كل الشعوب الباحثة عن الكلأ والسلام . جاؤوا  بلغتهم ولهجاتها التي خضبتها الهجرة بأيمان  و وثنية الشعوب التي مروا بها قبل استقرارهم الأخير على ذرى ما سيكون ، بعد زمن طويل كردستان .كتب الجواهري العراقي : طيف تحدر من وراء حجاب ، غض الترائب مثقل الأهداب . فكأن ساحرة ترقص حوله ، اعطاف اودية وهام روابي . لعبت به سود الليالي حقبة هي شر مالعبت يد الأحقاب .

جاءت قبلهم وبعدهم شعوبا وقبائل اخرى وسكنت في هذا المثلث الخصب ، الرعوي  ، الملون و المحمي بالطبيعة  - مازالت قبائل اليمن تحتمي بالجبال  ومازال هنود بوليفيا وغواتيمالا يحتمون  بالغابات  - انه اختيار الأسلاف  . وان بالغنا ، اختيار اجباري كالمنفى . فالبدايات لكل الشعوب كانت الهجرة والمنفى ، بحثا عن العيش بسلام   قبل ان ينبت الناس كالبذور من الأرض .  هل يختار المنفي بأرادته مكان منفاه ؟ وهل يختار الأنسان مكان ولادته ؟ لو اخترنا جميعا اماكن ولادتنا لما كان هناك تاريخ خصب للبشرية ينتج الفنون والآداب . .حتى النبات لايختار مكان انباته . الريح والمطر  وحرارة الشمس من تختار له ولادته وانتشاره في الحقول والمراعي  الخصبة او المجدبة . وجدتم انفسكم هنا يا أكراد ، فيما صار كردستان . انه اختيار اسلافكم واختياركم فيما بعد . هذا المكان صار لكم وطنا ، بجباله و وديانه  وسهوله  .  بجيرانه من عرب وترك وفرس   ، بأمطاره وثلوجه ومراعيه . بتاريخه واساطيره  ، بحروبه و سنوات السلم القليلة . انه بركتكم وليس لعنتكم  ، شأنكم شأن العرب ،وشأن  مصريين واتراك وفرس  وعراقيين وفلسطينين مازالوا يبحثون عن بركة للجغرافية امام قسوة التاريخ .

هي الشعوب التي تجعل  من الجغرافية امتيازا باراداتها .الشعوب التي  اجترحت الأفكار والفلسفات ، الخزف والمعمار ، المنائر والأبراج .  الشعوب التي فكرت الأساطير  التي تبعث الأمل والأخرى التي تعاقب ، بنت الزقورات والأكروبولات  والأهرامات ، اساطير العشق والموت ، السدود و المدن والتقاويم   . لم تكن بلاد الأغريق بلاد ماء لكنها انجبت اخصب حضارة في تاريخ الأنسانية حتى اليوم ، وما زلنا نشرب قطرات فلسفتها ومعمارها واساطيرها . لم تكن اليونان يوما اكثر من عشرة ملايين  من الأنفس التواقة للمعرفة واكتشاف العالم .كل ما  بأيدينا اليوم أتى من  اهل النهرين واهل مصر واهل اليونان ، وكانوا قلة . سعوا للحرب في حينها وللسلم حين يبزغ بياضه .

لا لعنة للجغرافية الا اذا كانت الحياة لعنة .من يلعن الحياة لا جغرافية له . المكان ليس لعنة ، انه صعب احيانا . جهد المرء ، جهد الشعوب جمعا ، جعله مكان صالح للعيش بلا اعذار فيزيقية او ميتافيزيقية ، . فالمكان من اهله او ينتهي  بأن يشبه اهله .لم تستطع البشرية تقويم التاريخ لكنها قومت الجغرافية و نحتت من الجبال تماثيلا  ومن التقائها سدود  ومن سفوحها  مدرجات  ، حقولا للقمح والذرة والقهوة  وبساتينا للكروم والتفاح والزيتون .

في رواية " الطوف الحجري " للصديق الراحل خوسية ساراماغو ، الكاتب البرتغالي  الحائز على نوبل للآداب ،  نسف لفكرة لعنة المكان ,  يبتكر  الراوي حلا للخلاص من ثقل اوربا على شبه الجزيرة الايبيرية " اسبانيا والبرتغال " .  تنشق الأرض بزلزال خيالي في شمال شبه الجزيرة وتنفصل البرتغال واسبانيا على اوربا .  تمضي شبه الجزيرة الأيبيرية ، وحدها ، عائمة في لجاج المحيط الأطلسي بعيدا عن ثقل اوربا  وهيمنتها ،  مثل طوف حجري  بجباله وسهوله ومدنه  وبحيراته واهله.  تدفعه الأمواج الأوقيانوسية والرياح الأطلسية  ليصطدم بجزر اللازورد  المتشبثه بعمق المحيط منذ اول الخليقة  .   ثم بحكم الصدمة القوية   تمضي بشبه الجزيرة الأيبيرية  بعيدا ،  نحو افريقيا   .

انها لعنة الجغرافية بصيغتها الشعرية  ـ لكن هل يظل الطوف الحجري  تائها مثل مركب سكران بعيدا عن  جذوره ؟ لقد تخيل الكاتب البرتغالي ، الأفريقي الجذور  ان قدر بلاده السحرية  في افريقيا  بعيدا عن اوربا ومنطقها الرياضي  وصقيعها  و ضجيج حضارتها . لكن  هل تستطيع كردستان ان تمضي على طوف حجري  لتنزع عن قدرها لعنة الجغرافية بواقع الحال  او حتى  في بلاغة ادبية  كبلاغة ساراماغو  ؟ لن يكون الأمر سهلا ، خياليا ، فلا بحر ولا محيط كي يعوم طوف كردستان الجبلي . بل حتى لو طاف واعتلى الموج  من ثغرة من المتوسط على الشاطئ التركي  فلن يغادر الطوف الجبلي  البحر المتوسط  فمضيق جبل طارق ، اضيق من ان تمر فيه غير المراكب و الكردي لا يعرف ركوب البحر بل صعود الجبل .لكن هل من قوة قادرة الى رفع كردستان الى السماء ؟

لاحل للأكراد غير المكوث بين الجبال كما مكثوا منذ قرون . زرعها  وعزف الناي بأنتظار الحصاد . لا حل في بكاء على الأطلال  ولا في تعويذات ضد لعنة الجغرافية .هم هنا في هذا المكان الذي سموه كردستان . من هناك مع الجيران اهل النخيل والصنوبر والسرو ، بعيدا عن مرايا السراب القاتلة للتاريخ  يبدأ الأكراد بترويض الجغرافية والعيش بسلام بأنتظار ان تحل اللغة عقدة اللسان  وعقدة الأمل في دولة كردية مجاورة لبقايا الأمبراطوريات القديمة ، تدفن عقدة لعنة الجغرافية للابد .    

 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 80
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. كردستان اسمٌ لمرضٍ عضال
عراقي متبرم من العنصريين - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 08:35
بفضل العنصريين الذين بدل أن يحملوا هموم قومهم في طلب الكلأ والماء والمأوى جاءوا بأمراضهم المستعصية كالحقد العنصري والانتهازية والعمالة والخيانة وعرض أنفسهم ودمائهم رخيصة كبندقية إيجار لهذا وذاك، قوم لهم مثل هذا التاريخ ولا يفقهون قيمة الإعتراف بالجميل لا أظنك مثلك يا أستاذي ولا حتى فلاسفة الإغريق وأطباؤهم إثناءهم عن طريقتهم التي تعوّدوا عليها، يكفيهم عاراً أنّ أمّ العنصرية في كل الأزمان والأمكنة إسرائيل قد اتخذتهم عبيداً وأداة لها لخدمة خباثاتها.. أنا لا أعمّم لكن أكثرهم هكذا ولن يفقهوا قولك أو قل إنهم ركبوا رؤوسهم ولا ينفع مع أمثالهم إلا آخر الدواء الذي بدأت به قواتنا الأمنية. الجواهري رحمه الله عندما أشاد بهم أشاد بقلتهم الشاكرة التي طلبت النجدة من بغداد لتقليم أظفار متنطعيهم كما حدث أخيراً، ولو كان حياً اليوم لتبرأ حتى من أخيارهم لتشربِّهم بالعنصرية المقيتة وترقِّبهم أيضاً ليوم يلتهمون فيه الأراضي والمدن والبلدان التي آوتهم من خوف وأطعمتهم من جوع دون أدنى حق وأدنى قيم إنسانية!
2. كوردية
sherin - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:01
عنصري عروبي وتسمي نفسك مثقفا و كاتبا. انتم من الذين غزوتم أرضنا . أتيتم من الحجاز وعدن بحجة نشر الإسلام. أتيتم غزاة و قلتم عنها الجهاد في سبيل الله. حاملين سيوفكم تقطعون رؤوس من يرفض دخول اسلامكم. أتيتم من الصحراء ورأيتم أراضي خضراء ووديان فاحتلوتموها . الأتراك لم يكونوا جيراننا بل أتوا أيضا غزاة من منغوليا بقيادة جنكيز خان وهولاكو الذين لم يكونوا أقل إجراما منكم . جاؤوا واستقروا فوق بحر من الدماء. بدلا من ان تأتي بجمل من شعراء وكتاب من هنا وهناك لتظهر نفسك كمثقف وكاتب كان يكفي أن تبرز انسانيتك و تقف ضد حروب الابادة بحق شعب يريد أن يعيش حرا كغيره من شعوب العالم.
3. شيعة العراق
卡哇伊 - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:46
(شيعة العراق أعدموا الرءيس العراقي السابق صدام حسين بجريرة مايسمى بقضية الدجيل؟من يعدم العبادي وقادة مليشيات الحشد الهمجي المجرمين بقضية آبادة الكورد في طوز خورماتو)
4. سوف تحتاج الى اطنان
Rizgar - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:47
سوف تحتاج الى اطنان من المساحيق لتسويق الكيان العربي العنصري السرطاني الخبيث .
5. عاصمة التعريب
Rizgar - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:52
عاصمة الانفال والتعريب والاغتصاب الجنسي ...رمز شرير للهمجية والاحتقار والاستهتار العربي ...رمز مشئوم للامة الكوردية وملايين الكورد حول العالم . اللعنة على عاصمة القيم اللا اخلاقية المنحطة . اللعنة على المس بيل . .
6. ما قام به الحشد
شنگالی - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:53
ما قام به الحشد وجماعة او عصابة (تيس الخزعلي)وحزب الله وحشد المرجعية لواء العباس وانصار الله وسريا الخرساني الإيرانية بقيادة قاءد من الحرس الثوري الإيراني وشخص تركماني هو برلماني من قبل قوات غدر محمد مهدي البياني المسؤول عن الحشد التركماني في طوز خورماتو وقتلهم ما يقارب عن (200)مواطن ومواطنة وطفل وشيخ كوردي وحرق وهدم مايقارب ألفي بيت ومحال تجارية ونهب وسرقة أموال الكورد من قبل العصابات الشيعة العميلة لإيران جريمة يندى لها جبين الانسانية وخاصة هذه الأحداث جرت في شهر يعتبر لدى الشيعة مقدس وهو شهر محرم لكن يبدو ان الشيعة لا دين لهم ولا مذ هب وتقديس للشهر المحرم بل لديهم حقد أهوج مريض وحقد عنصري طاءفي مقيت .
7. كالعادة الأمريكان والاوربيين
ئەبوو چیچۆ - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:54
كالعادة الأمريكان والاوربيون اصابهم العمى وغضوا الطرف وكانهم لم يروا هذه الجرائم البشعة بحق الشعب الكوردي،كانما كورد طوز خورماتوا هم اتباع يزيد وشمر وهم من قتلوا ال البيت وهم الدواعش صنيعة ايران ولهذا يجب ابادتهم بشتى القساوة والبطش.الرءيس العراقي اعدمه حزب الدعوة بذريعة قتل (١٤٨)من أهالي الدجيل مع العلم ان الذي جرى لصدام حسين هو محاولة اغتيال رءيس الجمهورية فصدام وحاشيته اعتبروا هذا الفعل هو مخطط إيراني لاغتياله لان كان العراق في حرب مع ايران وتبين انه فعلا عملاء ايران هم من قاموا بمحاولة اغتيال رءيس الجمهورية.طيب المحكمة التي نصبت من قبل الأمريكان والشيعة أعدموا صدام وسبعة من أركان حكمه بما يسمى قضية الدجيل !!! .
8. الرغبات العرقية العنصري
أُسْكُتْلَنْدِيّ - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:58
. الرغبات العرقية العنصرية العربية والكيانات الفلفيلة اللقيطة....مدعومة من الغرب والا انهيار عاصمة الحقارة خلال ٢٤ ساعة .
9. ليتذكر حيدر العبادي ونوري
קורדיסטן - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 09:59
ليتذكر حيدر العبادي ونوري المالكي و الخزعلي ومحمد البياتي الأذري و ابو مهدي المهندس وهادي العامري وقادة الحرس الثوري الإيراني يجب ان يقدموا الى محاكم خاصة شبيهة بمحاكم التي اجريت بحق النظام السابق بقضية إبادة أناس عزل نساء واطفال وشيوخ قتلوا بأبشع طريقة من قبل الطاءفيين
10. طوز خورماتو الذي حماها
♠♠♠♠♠♠♠♠ - GMT الجمعة 01 ديسمبر 2017 10:00
طوز خورماتو الذي حماها ودافع عنها البيشمركة ولم يستطع تنظيم داعش صنيعة ايران من اختراق الطوز بفضل بسالة البشمركة في وقت سقطت سليمان بيك والعظيم ومناطق تابعة لتكريت بيد داعش والتي كانت تتواجد فيها جيش المالكي.اهذا كان جزاء معروف الكورد والبشمركة من قبل الشيعة ؟


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.